محمد بن محمد حسن شراب
41
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
قلبي وقصدتك طالبا جودك ، وربما أراد أن يقول : ليس في حياتي ما أقدّمه على ملاقاتك ، ولو كانت ألصق الذكريات بي ، وأحبّها إليّ . وللدلالة على صلة الأطلال والنسيب بموضوع المدح ، يربط الشعراء بين هذه المقدمة وما بعدها برباط فنيّ ، يسمونه « حسن التخلّص » ، وانظر مثال الربط القوي وحسن التخلص بين الأقسام ، المفضلية رقم « 25 » للحارث بن حلزة اليشكري في مدح الملك قيس بن شراحيل . والمفضلية رقم « 119 » لعلقمة بن عبدة ، في مدح الحارث بن جبلة . والخلاصة : أن كلام ابن قتيبة في المقدمة ، كان يصح لو قال : « إن مقصّد قصيد « المدح » إذا بدأ بوصف الديار . . . الخ » . وقلت : قصيد المدح ؛ لأننا وجدنا أن المنهج الذي وصفه لا يعمّ القصيد كلّه . وقلت : « إذا » لأن قصائد المدح لا تتبع كلّها الخطوات التي وصفها : فقصيدة المدح قد تبدأ بالوقوف على الديار ، وقد تبدأ بالغزل بدون الوقوف على الأطلال . وقد يصف الشاعر الراحلة والطريق ، وقد يكون المدح بعد الوقوف على الأطلال . . فالذي قاله ابن قتيبة خاص بقصائد . ورأينا خيوطا فنيّة ومعنوية تربط بين أجزاء قصيدة المدح ، بل قل : بين خطوات قصيدة المدح . فهي قصة المادح منذ كان في دياره ، إلى أن يرتحل ويصل إلى الممدوح ، فيقول له ما قاله ، وينال عطاءه . ولم يقل أحد إن القصة ذات لون واحد ، فهي تصف الزمان والمكان والحدث ، ومع ذلك نعدّها وحدة متكاملة . وإذا وجدت قصيدة لا تربطها الروابط ، فليس ذلك من عيب فيها ، وإنما جاء العيب من الرواية ، فإذا أردت أن تحكم على الشعر ، فعليك بالقصائد الصحيحة الرواية التي لم تخلّ الروايات بشيء من عدد أبياتها ، أو ترتيبها كما سيأتي بيانه ، فقد كان العرب أهل ذوق فنيّ ، ولم يكونوا يخلطون بين الألوان المتنافرة . هذا ، وإذا عاندت ولم تقنع بما قدمت من تفسير خطوات قصيدة المدح ، فإنني أقول : إنّ قصائد المدح في الشعر الجاهلي لا تساوي 1 / 30 من بقية الشعر ، فما كثر المدح إلا في زمن خلفاء بني أمية ومن بعدهم ، وسوف نرى تعاضدا أشد لا ينكر بين أجزاء القصيدة في الفنون الأخرى ، فيما يأتي من الكلام إن شاء اللّه . * وأما جهة الوهم الثانية : فهي كثرة الأبيات السائرة التي تدلّ على معنى منفرد :